حبيب الله الهاشمي الخوئي

325

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

عشية ، وتحلى الأيدي بالأسورة عشيّة ، وتجعلها في الأغلال غدوة ، وتقعد الرّجل على السرير غدوة ، وترمى به في السجن عشيّة ، تفرش له الدّيباج عشيّة ، وتفرش له التراب غدوة ، وتجمع له الملاهي والمعازف غدوة ، وتجمع عليه النوائح والنوادب عشيّة ، تحبّب إلى أهله قربه عشيّة ، وتحبّب إليهم بعده غدوة ، تطيب ريحه غدوة ، وتنتن ريحه عشيّة . فهو في كلّ ساعة متوقّع لسطوتها غير آمن غدرها وخديعتها ، غير ناج من بلائها وفتنها ، تمتّع نفسه من أحاديثها ، وعينه من أعاجيبها ، ويده من جمعها ، ثمّ يصبح باكى العينين ، صفر اليدين ، في أودية الندامة والحسرة والخذلان حيران . ومن ذلك كلَّه علم أنها ( لا تدوم أحوالها ) بل يصير حياتها موتا وغناؤها فقرا وفرحها ترحا ، وصحتها سقما ، وقوّتها ضعفا ، وعزّها ذلا ، إلى غير هذه من حالاتها المتبدّلة المتغيّرة . ( ولا تسلم نزالها ) أي لا تسلم النازل في تلك الدّار من آلامها وآفاتها وصدماتها بل هو في كلّ آن مترقّب لإصابة مكروه ، وجل من كلّ بلاء . فانّ كلّ ذي جسد فيها لا ينفكّ جسده من أنّ الحرّ يذيبه ، والبرد يجمده والسّموم يتخلَّله ، والماء يغرقه ، والشّمس تحرقه ، والهواء يسقمه ، والسّباع يفترسه ، والطَّير تنقره ، والحديد يقطعه ، والصّدم يحطمه . ثمّ هو معجون بطينة من ألوان الأسقام والأوجاع والأمراض ، فهو مرتهن بها مترصّد لها دائما ، لكونه مخلوقا من الأخلاط الأربعة الَّتي لو غلب أحدها على الاخر أحدث أنواعا من المرض ألا ترى إنّ أصحّ الأخلاط وأقربها إلى الحياة هو الدّم ، فإذا خرج عن حدّ الاعتدال يموت صاحبه بموت الفجأة والطَّاعون والاكلة والسّرسام . هذا كلَّه مع ماله من مقارنة الآفات السّبع الَّتى لا يتخلَّص منها ذو جسد ، وهى الجوع ، والظَّماء ، والحرّ ، والبرد ، والخوف ، والجوع « والمرض ظ » والموت .